إبراهيم بادحدح

باحث زائر بدرجة الدكتوراه @ جامعة سيتي لندن  |  مرشح دكتوراه @ جامعة التكنولوجيا سيدني  |  عالم سلوك

في أيام سكني في منزل والدي، كانت مواقف السيارات تحت المنزل مشتركة مع الجيران وبالكاد تكفي ست سيارات. انحراف صغير في الوقوف يؤدي لخسارة موقف إضافي. لاختلاف أوقات الدخول والخروج، واختلاف أحجام السيارات، كان من النادر أن يتسع المكان لست سيارات. كان الموضوع مزعجًا ولكن بدا وكأنني الوحيد الذي يؤرقه الوضع، أو أن الباقين لم يُظهروا انزعاجهم.

لم تكن المشكلة بسبب اللامبالاة وإنما يكمن التحدي في الوقوف بالدقة التي تتطلبها المساحة بدون تخطيط واضح، خصوصا في ظل تفاوت المواعيد واختلاف السيارات. رؤية المشكلة من هذا المنظور كانت مفتاح الوصول لحل عملي بسيط. أخذت مترًا لقياس المساحات بدقة وبخاخ طلاء بلون أزرق فاقع لتخطيط المواقف ووضوح. بعدها حلت المشكلة نفسها، احتجت فقط أن أنبّه مرة على وجود التخطيط..

وبهذه البساطة نجحت أول حملة تغيير سلوك، وانعكس أثر علم السلوكيات على الواقع. قد يكون التغيير حملةً أو سياسة، وقد يكون مترا وبخاخ طلاء.

مواقف السيارات بعد رسم خط أزرق على الأرض بين سيارتين.

البداية

نشأت في بيئة أثّرت بل شكّلت نظرتي لإكرام النعمة. لم يُهدر في بيتنا طعام، ما فاض إما أن يُحفظ ويُؤكل لاحقًا أو يُهدى لمن يحتاجه، وفي أسوأ الأحوال يُعطى للطيور. تبقى الأجهزة والأدوات والأثاث عمرًا طويلًا قبل أن تُبدَّل، وإن كانت صالحة للاستعمال وقت تبديلها فتُعطى لمن يستفيد منها. لم تكن فلسفة أو شعارات معلنة، بل كانت منهجًا وأسلوب حياة.

نشأت مَيّالًا للمراقبة أكثر من المشاركة. أحب ملاحظة البيئة والتأمل في تفاعلات الناس وانفعالاتهم. أتأمل حجم الفجوة بين القول والفعل في حياة الناس، وكيف يمكن لتفاصيل صغيرة أن تغيّر المواقف والقرارات والسلوكيات، أحيانًا دون وعي بأثرها أو إدراك لتأثيرها. وثّقت هذه الظواهر قبل أن أعرف مسمياتها أو أقرأ عنها.

وفي محاضرة عابرة في قاعة مكتظة بمئات الطلاب، شهدت مثالًا حيًّا على التحيزات المعرفية لا أزال أذكره بعد كل هذه السنوات. سألت الضيفة المحاضرة في علم النفس الاجتماعي سؤالًا بسيطًا في فحواه، لكن كشفت لي الإجابة عن مدى عمقه. من منكم يعتقد أنه فوق المتوسط في الرياضيات فليرفع يده؟ كنت مترددًا، لست متأكدًا إن كنت فوق المتوسط أو معه. هذا كان حالي، لكن الغالبية العظمى رفعت يدها، فتبدّدت حيرتي من معرفة مستواي في الرياضيات وحلّ محلها تساؤل آخر: كم سيكون المتوسط في هذه القاعة؟ وهنا أجابت الضيفة وبدّدت الحيرة: هذا مثال حي على تحيز فوق المتوسط. ربما كانت تلك من أولى المرات التي أشهد فيها تحيزًا معرفيًا في سياق تجريبي، مُستحضَرًا أمام عيني في قاعة مليئة بالناس.

أوجلفي

في بداية حياتي المهنية كنت في مكان سرعان ما بدأت أبحث عن طريق للخروج منه، دفعني ذلك للبحث والقراءة والدورات. تعمّقت أكثر في علم النفس والسلوكيات إلى أن أُتيحت لي الفرصة وانتقلت إلى وكالة أوجلفي للدعاية والإعلان.

كانت سنواتي فيها حافلة بالتعلم والمفاجآت والصدمات. خلال ثلاث سنوات، تعاقب عليّ خمسة مدراء مختلفين، وعملت مع عملاء محليين وعالميين، وجرّبت كل شيء في العلاقات العامة قبل أن أنتقل إلى التسويق الرقمي. كان العمل متطلبًا ومتقلبًا. جاءت فترة فقدنا فيها ثلث أعضاء فريقنا الصغير، كان عليّ أن أتأقلم، أن أتقدم أو أتأخر بحسب ما يتطلبه الموقف. تعلّمت أن وضوح المسؤوليات والتواصل هما بحد ذاتهما تدخّلات سلوكية، يغيّران ما يفعله الناس. لكن الأهم من كل ذلك أن عملي اليومي وقراءاتي أصبحا متقاطعَين. كنت أحلّل سلوك المستهلك يوميًا وأتعلم النظريات والمفاهيم التي تفسّره في الوقت نفسه. الاثنان كانا يغذّيان بعضهما.

التنظير المنمّق كان دائمًا أجمل من الواقع، بل نادرًا ما كان يشبهه. لكن دراسة حالة واحدة كشفت لي أن الواقع يمكن أن يكون أفضل مما هو عليه. دورة في فعالية الإعلان أوضحت المشهد. تناولت حملات جون لويس لعيد الميلاد، ليس الإبداع ولا الجوائز، بل كم أنتج كل جنيه أُنفق. حملة قديمة نوعًا ما، لكنها ركّزت على قياس المهم، على الجوهر لا المظهر. لم يتعلق الأمر بالوصول أو الإعجابات. كان يتعلق بالأثر.

العمل في أوجلفي كان ثريًا. لكنه افتقر إلى المعنى والهدف اللذَين نشأت عليهما. تراكم كل ما كنت أتعلّمه عن علم السلوك وقياس الأثر جعل التحوّل إلى الأكاديميا الخطوة المنطقية التالية.

الأبحاث

تبحث أطروحتي في فجوة القيمة والفعل، لماذا يحمل الناس نوايا حقيقية للتصرف باستدامة وأخلاقية، ولكن لا يتبعونها بالفعل. أدرس وأبحث هذه الفجوة وتقاطعها مع الذات: رؤيتنا لأنفسنا وما نؤمن به، ما نقدّره، ولماذا لا يكفي أيٌّ منهما لتغيير ما نفعله فعلًا. ثلاث دراسات، تبحث زوايا مختلفة لذات المشكلة.

القيمة المهدرة

حين يغير أحدهم هاتفه أو يستبدل حاسوبه، نفترض منطقيًا أنه قيّم ما بحوزته كعامل يؤثر على قرار التغيير. بحثنا يبين أن الناس يُهملون القيمة المتبقية لما يمتلكون، لأن الفائدة غير المستخدمة غير مرئية في لحظة القرار. المنتج الجديد حاضر وواضح، ولا شيء تحديدًا يدعو لتقييم القديم. إبراز تلك القيمة المتبقية المهدرة لحظة اتخاذ القرار يغيّر الحسابات. حين تبرز القيمة المتبقية، يصبح تبرير الاستبدال أصعب. تدخل بسيط، والأثر كبير.

سيُقدَّم في مؤتمر EMAC 2026.

التجسد

المواصفات المستدامة و الأخلاقية للمنتجات مبهمة بطبيعتها. خذ على سبيل المثال، صديق للبيئة، مصدر مستدام. تبدو كإشارات استعراضية أكثر من كونها شيئًا ملموسًا يتمسك به أو يمكن تقييمه. بحثنا يبين أن تفكيك هذه المواصفات لتعكس لغة محددة وقابلة للتقييم يغيّر ما يختاره الناس. من مصنوع من مواد صديقة للبيئة إلى مصنوع من مطاط معاد تدويره. حين تصبح المواصفات الأخلاقية محورية وقابلة للتقييم، يصبح الاختيار انعكاسًا لماهية الشخص وكيف يرى نفسه. عندها يتحرك السلوك.

قُدِّم في مؤتمر ANZMAC 2023.

هدر الغذاء

الوعي بهدر الغذاء مرتفع. ولكن هدر الغذاء ما زال مرتفعًا. المشكلة ليست المعلومات، بل الدافعية. ليست كل الدوافع متساوية، وليست كلها تدوم. بحثنا يرسم الطيف الكامل للدوافع وراء تجنب هدر الغذاء، من الفوري والعملي إلى العميق والشخصي. فهم الدوافع الأكثر حضورًا لدى جمهور معين، وأيها يحمل وزنًا أكبر، هو ما يحدد الفرق بين تدخّل يصمد وآخر يتلاشى.

البيانات مستمدة من عينة سعودية، والدراسة قيد الإنجاز.

بدون بهارات

خلاصة تجربتي العملية ودراستي العلمية بلّورت فلسفتي التسويقية: تسويق التسويق بدون بهارات. التسويق السليم يسوّق نفسه، لا يحتاج لضجيج أو مبالغة. التسويق السليم يهتم بالأثر قبل كل شيء. والأثر يظهر عند اختار المقاييس الصحيحة، تلك التي تعكس أثرًا ملموسًا يتجاوز الإعجابات والانطباعات والتعليقات.

خارج الإطار

بعيدًا عن أطر التسويق، يستهويني إطار الكاميرا. أمارس هوايتي في التصوير فهي تساعدني على التأمل والاسترخاء وتجديد الطاقة. عرضت أعمالًا في معارض جماعية وحصلت على جوائز محلية وإقليمية.

ممارستي للتصوير لها فلسفتها الخاصة، الرؤية المجردة من التصورات المسبقة، البحث عن الجمال في الرتابة. ليس بعيدًا عن طريقة تعاملي مع السلوك. كلاهما يتطلب منك تعليق ما تتوقع رؤيته والنظر إلى ما هو موجود فعلًا.

لنتواصل إذا كنت…

  • تعمل على التغيير السلوكي في السعودية أو منطقة الخليج، بحثًا أو سياسةً أو تطبيقًا
  • تحاول أن تفهم لماذا جمهورك لا يفعل ما يقول إنه سيفعله
  • تبحث عن محادثة مباشرة حول ما ينجح فعلًا
  • الحلول السلوكية: أصمّم تدخلات مبنية على كيفية تصرف الناس فعلًا، بما في ذلك السياقات السعودية والخليجية.
  • البحث والرؤى: أترجم النتائج الأكاديمية إلى توجه قابل للتطبيق، أو أساعدك في تصميم بحثك الخاص لفهم جمهورك المحدد.
  • الإرشاد الأكاديمي: إذا كنت طالبًا سعوديًا أو عربيًا تفكر في التقديم لبرنامج MBA أو دكتوراه في الخارج، فقد مررت بالعملية ويمكنني إرشادك.

للتواصل: ibraheem@ibadahdah.com

القائمة البريدية

This field is required.